إخوان الصفاء

316

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ومما خصّت به أيضا النفس الناطقة الإنسانية من نعم اللّه تعالى وإحسانه العقل الغريزيّ وكثرة أعوانه وجنوده وخصاله المحمودة ، كما سنبيّن بعد وأما التي تنسب من الخصال المحمودة إلى النفس الحكمية فشهوة العلوم والمعارف وما أعينت به على طلبها وإدراكها والوصول إليها من الخصال المركوزة والقوى المجبولة : كالذّهن الصافي والفهم الجيّد وذكاء النفس ، وصفاء القلب وحدّة الفؤاد ، وسرعة الخاطر ، وقوّة التخيّل وجودة التصوّر ، والفكر والرويّة والتأمّل والاعتبار ، والنظر والاستبصار ، والحفظ والتذكار ، ومعرفة الروايات والاخبار ، ووضع القياسات واستخراج النتائج بالمقدّمات ، والتكهّن والقيافة والفراسة ، وقبول الوحي والالهام ، ورؤية المنامات ، والانذار بالكائنات بعلم النجوم والزّجر : كلّ ذلك معاونة لها وتأييد إلى البلوغ إلى الغاية والوصول إليها . وأما التي تنسب إلى النفس الملكيّة القدسيّة فهي شهوة القرب إلى ربها والزّلفى لديه ، وقبول الفيض منه ، وإفاضة الجود على من دونها من أبناء جنسها ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله : « يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ » ، وقوله سبحانه : « يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ » ، وقوله : « فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا » ، وقال : « كِراماً كاتِبِينَ » الآية . فهذا تفصيل جملة ما ينسب إلى كلّ جنس من النفوس ، والمخصوص بها من الشّهوات المركوزة فيها ، فأما التي تعمّها كلّها فشهوة البقاء على أتم الحالات وأكمل الغايات وكراهية الفناء والنقص عن الحال الأفضل والأكمل . فصل واعلم يا أخي ، أيّدك اللّه بروح منه ، بأنك ان أنعمت النظر فيما وصفنا ، وتأملت ما ذكرنا ، وجوّدت البحث عن مبادئ الكائنات وعلة الموجودات ، علمت وتيقّنت ان هاتين الحالتين ، أعني شهوة البقاء وكراهية الفناء ، أصل